الجواب: الحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، أما بعد: فذهب جمهور الفقهاء إلى أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة، غير أنهم اختلفوا في حكم تكرارها في الركعة الواحدة عمدًا، على قولين:
القول الأول- تكرار الفاتحة مكروه، ولا تبطل به الصلاة، ذهب إلى هذا القول الشافعية، والحنابلة.
قال النووي: “لو قرأ الفاتحة مرتين وقلنا بالمذهب إن الصلاة لا تبطل بذلك لم تحسب المرة الثانية عن السورة بلا خلاف” [المجموع (3/ 388)].
وقال الشيرازي: “وإن قرأ الفاتحة مرتين لم تبطل صلاته على المنصوص”. [التنبيه في الفقه الشافعي (ص: 36)].
وقال ابن قدامة: “ويكره تكرار الفاتحة؛ لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، لأنها ركن، وفي إبطال الصلاة بتكررها خلاف فكره لذلك” [الشرح الكبير (1/ 612)].
القول الثاني: تكرار الفاتحة عمدًا حرام، ولا يبطل الصلاة، وسهوًا يوجب سجود السهو؛ ذهب إلى هذا القول المالكية،وذهب بعضهم إلى بطلانها.
قال الدردير: “(قوله من غير الفاتحة) أي لا منها؛ لأن تكريرها حرام، ولا يرتكب لأجل تحصيل مندوب”. [الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (1/ 297)].
وقال الخرشي: “تكرير الفاتحة سهوا يوجب السجود” [شرح مختصر خليل (1/ 312)].
وقال المرداسي: “ومن كرر الفاتحة ساهيًا سجد بعد السلام، وإن كان عامدًا فالظاهر البطلان” [عمدة البيان ص: 208]. وقال الصاوي رحمه الله:«كتكرير الفاتحة فلا يبطلها على المذهب، وإنما يُحرم إن كان عمدًا، ويسجد إن كان سهوًا» [حاشية الصاوي 2/71].
والذي يظهر –والله أعلم– أن تعمد تكرار الفاتحة في الركعة الواحدة من غير سببٍ شرعي خلافُ هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي للمسلم أن يفعله؛ لحديث مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...قال: «وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، ...» [البخاري: 631].
أما إذا أعادها لعذرٍ أو حاجةٍ معتبرة، فلا حرج في ذلك، ومن أمثلة ذلك:
ومن المعلوم أن الأصل في العبادات التوقيف والاتباع، فلا يُشرع منها إلا ما ثبت بدليل؛ ولهذا لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كرر الفاتحة في الركعة الواحدة، مع كثرة ما نقل الصحابة من صفة صلاته.
وعليه، فإن الأولى بالمسلم أن يقتصر على ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يجتنب الزيادة في الصلاة بغير سبب شرعي، خروجًا من الخلاف، واتباعًا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
والخلاصة: أن تكرار الفاتحة في الركعة الواحدة لغير حاجةٍ أو عذرٍ مشروع محل خلاف بين الفقهاء، والأولى تركه وعدم اعتياده؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما إذا وقع لعذرٍ أو سهوٍ أو قصدٍ صحيح، فلا حرج فيه. والله أعلى وأعلم.