وقد أمرنا الله تعالى بإصلاح أنفسنا، قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1[.
والإصلاح بين الناس مسؤولية عظيمة، تقوم على أساس الأخلاق، وتعديل السلوك، وتهذيب الأنفس، والإصلاح بين الناس يقوم على زرع المحبة والألفة، ونبذ الخلاف والفرقة. وإصلاح ذات البين فيه خير للفرد والمجتمع، فإذا تحقق ذلك في أمة، تحقق لها أمنُها وأمانُها، وعيشُها الرغيد، وإذا صلح الأفراد، صلح المجتمع كله.
ومن أعظم الدعائم في قضية الإصلاح، مناصحة المسلمين، فالدين النصيحة كما قال الحبيب -صلى الله عليه وسلم-. وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يسعى دائمًا إلى الإصلاح بين الناس، ولما تنازع أهل قباء بادر إلى الذهاب إليهم بنفسه، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِذَلِكَ، فَقَالَ: «اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ»[البخاري: 2693].
والصلح أفضل من القضاء؛ لذا كان عمر -رضي الله عنه- يقول: {رُدُّوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن}.
ومن رحمة الله تعالى بالمؤمنين أن وحد كلمتهم، وجمع بين قلوبهم، ولمّ شعثهم، وأزال الضغائن من قلوبهم، حتى أصبحوا إخوة في الدين، وألف بينهم، قال الله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران:103[.
والإصلاح بين الناس عنوان الإيمان، ومصدر الطمأنينة، وينبوع المحبة، وفضله عظيم، فعَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ -رضيَ اللهُ عنهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ، وَالصَّلاَةِ، وَالصَّدَقَةِ»، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «إِصْلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ» [أبو داود، صحيح: 4919].
✳وإذا كان الإصلاح بين الناس، كان الخير والبركة، وإذا حكمت شريعة الله بين الناس، كان العدل والمساواة، وأخذ كل ذي حق حقه، فلا يسطو القوي على الضعيف، ولا الغني على الفقير، ولا السيد على العبد، الكل أمام العدالة سواء، ، فإن شذ واحد من المجتمع، وقف له المصلحون الغيورون على وحدة الأمة وحياتها، وكان دورهم الإصلاح، فكما ترى فإن تحكيم الشريعة يريح الأمة، ويوحد بين صفوفها.
ومن أبرز الميادين والجوانب التي تحتاج إلى الإصلاح الاجتماعي، الصلح بين الزوج وزوجته،وبين الأب وابنه، وبين الرجل وصديقه، وبين الجار وجاره، ويتعدى ذلك إلى أن يصلح المسلم نفسه، وأن يرضي ربه، وأن يأمن الناس بوائقه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.