الجواب:
الحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، أمّا بعد:
فالأصل أن الأموال تُنسب إلى من ملكها حقيقة، وأنه لا يجوز لأحد أن يأخذ من مال غيره شيئاً بغير حق، قال الله تعالى:
﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 188].
وعليه، فإذا اشترى الزوجُ شقةً وسجَّلها باسم زوجته، فهذه المسألة لا تُحسم بمجرد كون الزوج هو الذي دفع ثمنها، ولا بمجرد كون الزوجة غير موظفة أو لم يكن لها مال؛ لأن الزوج قد يكون قد وهبها الشقة هبة حقيقية، وقد يكون التسجيل باسمها صوريًّا ولم يقصد به تمليكها.
الحالة الأولى: أن يقصد الزوج تمليكهافإن كان الزوج قد قصد بتسجيل الشقة باسم زوجته تمليكَها إياها، وقبلت الزوجة ذلك، وقبضت الموهوب على الوجه المعتبر شرعاً، صارت الشقة ملكًا لها، ودخلت في تركتها بعد وفاتها، فيكون لورثتها حقّهم منها بحسب أنصبتهم الشرعية، بعد إخراج الحقوق المتعلقة بالتركة.
الحالة الثانية: أن يكون التسجيل صوريًاأما إذا كان الزوج لم يقصد تمليك زوجته الشقة، وإنما سجلها باسمها لأمر آخر، وكان ذلك مجرد تسجيل صوري، وثبت ذلك ببينة أو إقرار أو قرائن معتبرة، فالشقة باقية على ملك الزوج، ولا تدخل في تركة الزوجة، ولا يكون لأهلها حق فيها؛ لأن التركة إنما هي ما كان يملكه الميت حقيقة عند وفاته.
العبرة بالمقاصدوالعبرة في ذلك بحقيقة التصرف وقصده وملابساته، لا بمجرد الألفاظ أو الصور الشكلية، مع اعتبار ما يثبت بالبينات والوثائق والقرائن المعتبرة؛ لأن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني.
أما من جهة القضاء، فالقاضي يحكم بحسب ما يظهر له من البينات والحجج والوثائق والإقرارات، ولا يعلم حقيقة ما في القلوب، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:
«إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» [البخاري: 6967].
فإذا حكم القاضي بملكية الشقة لمن سجِّلت باسمه، لعدم وجود بينة تثبت خلاف ذلك، فإن الحكم القضائيَّ لا يغيّر حقيقة الحق عند الله؛ فمن كان يعلم في نفسه أن المال ليس له، لم يجز له أخذه لمجرد صدور الحكم له به.
وعليه، فإذا كان أهل الزوجة يعلمون يقينًا أن الشقة ملكٌ للزوج، وأن تسجيلها باسم ابنتهم كان صوريًا ولم يقصد به تمليكها، فلا يجوز لهم المطالبة بشيء منها ولا أخذ شيء منها، حتى لو حكم لهم القضاء بذلك بناءً على ظاهر المستندات؛ لأن العبرة عند الله بحقيقة الحق، وليس بمجرد الحكم القضائي.
أما إذا لم يعلموا حقيقة الأمر، أو اختلف الزوج وأهل الزوجة في حقيقة الملكية، فهذه مسألة تحتاج إلى النظر في المستندات والإقرارات والشهادات والقرائن والظروف التي صاحبت شراء الشقة وتسجيلَها، ولا يصح الجزم بملكيتها لأحد الطرفين بمجرد كون الزوج هو الذي دفع الثمن أو بمجرد تسجيلها باسم الزوجة.
التوصية بالتوثيقوالواجب على الزوجين أن يوثقا ملكية الأموال توثيقًا واضحًا صريحًا، وأن يبتعدا عن التسجيلات الصورية التي قد تؤدي إلى النزاع بعد الوفاة. وإذا اقتضت مصلحة معتبرة تسجيل المال باسم غير مالكه الحقيقي، فينبغي توثيق حقيقة الملكية توثيقًا مستقلًا، والإشهاد عليها، حتى لا تختلط الحقوق ولا يقع النزاع بين الورثة. والله أعلى وأعلم.
الشيخ عبد الباري بن محمد خلة
السبت 29 ربيع الثاني 1447هـ
الموافق 10 أكتوبر 2026م