الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فيجوز للمشلول الذي لا يستطيع الوضوء بالطريقة المعتادة أن يستعمل فمه أو أي وسيلةٍ مباحة لإيصال الماء إلى أعضاء الوضوء، ويصح وضوؤه إذا وصل الماء إلى الأعضاء الواجبة بحسب استطاعته.
فإن عجز عن الوضوء بنفسه استعان بغيره، فإن لم يجد من يعينه، أو عجز عن استعمال الماء عجزًا معتبرًا، انتقل إلى التيمم بحسب استطاعته.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6].
والوضوء شرط لصحة الصلاة، فلا تصح الصلاة ممن قدر عليه إلا به، وفرائض الوضوء معلومة، ويجب الإتيان بها بحسب الاستطاعة، أما الوضوء بهيئته الكاملة من فرائض وسنن، فإنما يجب على القادر المستطيع.
فالمسلم يؤدي ما يقدر عليه، ويسقط عنه ما يعجز عنه؛ قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [البخاري: 7288].
وقال ابن القيم رحمه الله: «ومن قواعد الشرع الكلية أنه: لا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة». [إعلام الموقعين لابن القيم(2/17)].
ومن القواعد الفقهية:
1- «إذا ضاق الأمر اتسع». [المنثور للزركشي (1/120)].
2- «المشقة تجلب التيسير». [الفروق للقرافي (4/146)].
وبناءً على ذلك:
1- إن استطاع الوضوء بنفسه بأي وسيلةٍ مباحة وجب عليه ذلك.
2- فإن عجز واستطاع الاستعانة بغيره لزمه ذلك.
3- فإن عجز عن استعمال الماء انتقل إلى التيمم.
4- فإن عجز عن الماء والتيمم صلى على حاله، ولا تسقط عنه الصلاة ما دام عقله حاضرًا.
وعليه؛ فيجب على المشلول أن يتوضأ بقدر استطاعته وبالوسيلة التي يقدر عليها، وحيث إنه غير قادر على الوضوء بكيفيته المعتادة، فيجوز له إيصال الماء إلى أعضاء الوضوء بفمه أو بغيره من الوسائل المباحة.
ولو استطاع تعريض أعضاء الوضوء للماء النازل من الدُّشّ الصُّنْبُور حتى يصل إلى الأعضاء الواجبة مع النية، أجزأه ذلك.
ولو استعان بمن يوضئه جاز ذلك، بل قد يجب عليه إذا وجد من يعينه وكان قادرًا على الاستعانة به.
وخلاصة الأمر أن المشلول يتوضأ بحسب استطاعته وبالوسيلة التي يقدر عليها، سواء أكان ذلك باستعمال فمه، أو بتعريض أعضائه للماء، أو بالاستعانة بغيره، فإن عجز عن استعمال الماء انتقل إلى التيمم، فإن عجز عن الماء والتيمم صلى على حاله، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ولا تسقط عنه الصلاة ما دام عقله حاضرًا. والله تعالى أعلم.
الشيخ عبد الباري بن محمد خلة