الشيخ عبد الباري بن محمد خلة | الفتاوى | حكم استعمال روابط لجمع التبرعات والتسول التقليدي والإلكتروني

اليوم : الأربعاء 16 شعبان 1447 هـ – 04 فبراير 2026م
ابحث في الموقع

حكم استعمال روابط لجمع التبرعات والتسول التقليدي والإلكتروني

فتوى رقم: 1397
الجواب:

أولًا- حكم سؤال الناس المال -حكم التسول البسيط التقليدي

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:

فالمسلم يأكل من عمل يده، ويترفع عن الحرام والشبهات، ويزهد بما في أيدي الناس، ولا يتطلع على فتات الدنيا، بل يعتقد أن ما عند الله خير وأبقى، فعَنِ الْمِقْدَامِ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ عليه السلام ‌كَانَ ‌يَأْكُلُ ‌مِنْ ‌عَمَلِ ‌يَدِهِ». [رواه البخاري رقم 2072(3/ 57)].

وعَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَاصُّ أَهْلِ فِلَسْطِينَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: 'ثَلاثٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنْ كُنْتُ لَحَالِفًا عَلَيْهِنَّ: لَا يَنْقُصُ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، فَتَصَدَّقُوا، وَلا يَعْفُو عَبْدٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا عِزًّا- وقَالَ أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ: إِلا زَادَهُ اللهُ بِهَا عِزًّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ- وَلا يَفْتَحُ عَبْدٌ ‌بَابَ ‌مَسْأَلَةٍ إِلا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ'. [رواه أحمد بسند حسن لغيره رقم 1674(3/ 208)].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: 'لَا يَفْتَحُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ ‌بَابَ ‌مَسْأَلَةٍ، إِلَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ، يَأْخُذُ الرَّجُلُ حَبْلَهُ فَيَعْمِدُ إِلَى الْجَبَلِ، فَيَحْتَطِبُ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَأْكُلُ بِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ مُعْطًى أَوْ مَمْنُوعًا'. [رواه أحمد بسند صحيح رقم 9421(15/ 246)].

وعليه فيجوز السؤال للمحتاج الذي لا يجد حاجته، ولا يقدر على الكسب، فيسأل بقدر حاجته فقط.

 وأما القادر على العمل أو غير المحتاج فلا يجوز له المسألة، وما يأخذه من الناس فهو سحت حرام؛ لأدلة كثيرة منها:

1-  عن قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ قَالَ: «تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، (والحمالة ما لزم الإنسان تحمله من دين أو دية)، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَسْأَلُهُ فِيهَا فَقَالَ: ‌أَقِمْ ‌حَتَّى ‌تَأْتِيَنَا ‌الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا قَالَ: ثُمَّ قَالَ: يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، (الجائحة ما اجتاحت المال وأتلفته، كالسيل والمطر وغيرهما) فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، (القوام: ما يقوم به) أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ (والسِّداد ما يُسدّ به الشيء، كسد القارورة، وبفتحها: الإصابة)، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ (فقر) حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ (الحجى العقل)، لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ– فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا (حراما) يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا». [رواه مسلم رقم 1044(3/ 97)].

2-  وعن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 'مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ' [رواه البخاري رقم 1381(5/ 325)].

3-  وعَنْ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تُلْحِفُوا بِيْ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَوَاللَّهِ لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ شَيْئاً فَأُعْطِيَهُ وَأَنَا كَارِهٌ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيهِ» [رواه الدارمي بسند صحيح رقم 1667(1/ 531)].

4-  وعَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ مَسْأَلَةً وَهُوَ عَنْهَا غَنِيٌّ كَانَتْ شَيْناً فِي وَجْهِهِ» [رواه الدارمي بسند صحيح رقم 1668(1/ 531)].

5-  وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ، جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‌خُمُوشٌ، أَوْ خُدُوشٌ، أَوْ كُدُوحٌ فِي وَجْهِهِ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْغِنَى؟، قَالَ: «خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ». [رواه أبو داود بسند صحيح رقم 1626(2/ 116)].

6-  وعَنْ عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ عَدِيٍّ قَالَ: ‌أَخْبَرَنِي ‌رَجُلَانِ: ‌أَنَّهُمَا ‌أَتَيَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَسْأَلَانِهِ الصَّدَقَةَ. قَالَ: فَرَفَعَ فِيهِمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْبَصَرَ وَخَفَضَهُ، فَرَآهُمَا رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: 'إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا مِنْهَا، وَلَا حَظَّ لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ' [رواه أحمد بسند صحيح رقم 23063(38/ 162)].

7-  وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: '‌لَا ‌تَحِلُّ ‌الصَّدَقَةُ ‌لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ (قوة) سَوِيٍّ (مستو الخلقة)'. [رواه أحمد بسند صحيح رقم 6798(11/ 403)].

ولأنه -التسول- يشتمل على ثلاثة أمور محرمة:

الأول- إذلال النفس، ونفس المؤمن عزيزة.

الثاني- إظهار الشكوى والإلحاح وهذا ليس من الأدب.

الثالث- إيذاء المسؤول.

قال النووي:‌‌ '(باب النهى عن المسألة) مقصود الباب وأحاديثه النهي عن السؤال، واتفق العلماء عليه إذا لم تكن ضرورة، واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على وجهين، أصحهما: أنها حرام؛ لظاهر الأحاديث، والثاني: حلال مع الكراهة بثلاث شروط، أن لا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يؤذى المسؤول، فإن فقد أحد هذه الشروط فهي حرام بالاتفاق، والله أعلم'. شرح النووي على مسلم (7/ 127).

ثانيا- حكم التسول الإلكتروني واستخدام الروابط الإلكترونية لجمع التبرعات للفرد أو للمؤسسة

بناءً على ما تقرر سابقًا، فإنه لا يجوز التسول الإلكتروني واستخدام الروابط الإلكترونية لجمع التبرعات إلا في حال الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، وضمن ضوابط معينة:

1-  عدم الغش والخداع والتدليس، فلا يجوز التعامل مع المنصات والروابط الوهمية أو المضللة، ولا يجوز جمع الأموال وتحصيلها بوسائل غير شرعية وغير قانونية، ولا بد من إثبات الحاجة الحقيقية لجمع تلك التبرعات.

2-   الشفافية والمصداقية، فإذا كانت جهة كمؤسسة أو جمعية خيرية فيجب أن تكون تلك الجهة مُعتمدة لدى الجهات الرسمية وموثوقة لما تقوم به، فيوضح في الرابط البيانات الصحيحة والأسباب المقنعة واسم الجهة المستفيدة، وطريقة الصرف إلى غير ذلك من أمور.

وإذا كان المستفيد فردًا من الأفراد بيَّن السبب الحقيقي من الجمع، بما يزيل الشك والريبة عند المتبرعين.

3-   عدم استقطاع نسبة مجهولة وغير مشروعة لدى المؤسسات والجمعيات الخيرية إلا بقدر الحاجة لاستمرار العمل الخيري على ألا تكون نسبة مئوية بل تكون أجرة حقيقية معلومة.

وأضرب مثالا توضيحيا:

أولا- شخص يريد العلاج (1000 دينار) ولا يملك ثمنه ولا يجد من يقرضه أو يتصدق عليه فيجوز له طلب المعونة سواء عن طريق غني أو رابط يجمع الألف فقط ولا يزيد عليها.

ثانيا- مؤسسة تريد إنشاء مشروع مياه للشرب (10000 دينار) مثلا ليستفيد منها أهل منطقة فيوضح للجهة المانحة أو عبر الرابط قيمة المشروع والمستفيدين وصفتهم والمنطقة إلى غير ذلك من أمور.

وعليه فالتسول مذموم شرعًا وعرفًا وطبعًا، سواء  كان تقليديا أم إلكترونيا، وهو حرام إلا عند الحاجة الملحة أو الضرورة الملجئة. والله تعالى أعلى وأعلم.

الشيخ عبد الباري بن محمد خلة

الأكثر مشاهدة


أحاديث الإسراء والمعراج كما جاءت في صحيحي البخاري ومسلم

لقمة الزقوم والقلاش ذوق الطعام من البضاعة قبل الشراء

النفاق الاجتماعي وأثره على الفرد والمجتمع

الاشتراك في القائمة البريدية