الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فتعظيمُ الله تعالى هو أن يمتلئ القلبُ بمعرفة جلاله وكماله وعظمته، ومحبته وخشيته، وأن يَظهر ذلك على اللسان والجوارح؛ فيُطاع أمره، وتُجتنب معصيته، وتُحترم أسماؤه وصفاته وشرائعه وشعائره، قال الله تعالى:﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: 13].
وقال الله تعالى:﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
فتعظيم الله ليس مجرد كلمة تُقال، بل هو: تعظيمٌ في القلب: بالإيمان والخوف والمحبة والرجاء.
وتعظيمٌ في اللسان: بالذكر والثناء، وعدم التلفظ بما لا يليق.
وتعظيمٌ في العمل: بالطاعة، وترك المعصية.
وتعظيمٌ عند الغضب: بكفِّ اللسان عن السب واللعن والكفر.
وتعظيمٌ في المزاح: بعدم اتخاذ الدين أو ألفاظ الكفر مادةً للضحك.
ومن أعظم علامات تعظيم الله أن يستحيي الإنسان أن يسمعه الله وهو يسبه أو يسب دينه، أو أن يراه مستهزئًا بشعائره.
آثار تعظيم الله على الفرد والأسرة والمجتمع
1. آثاره على الفرد
إذا عظَّم الإنسان ربَّه: حفظ لسانَه عند الغضب، وراقب اللهَ في السر والعلن، وهانت عليه شهواته أمام أمر الله، وصبر على البلاء، ولم يعترض على حكمة الله، واستقام سلوكه؛ لأنه يعلم أن الله يسمعه ويراه، وتاب سريعًا إذا أذنب، ولم يصرّ على المعصية.
أمَّا ضعفُ تعظيم الله، فمن علاماته أن يصبح سبُّ الدين أو إطلاق ألفاظ الكفر أمرًا عاديًّا عند الإنسان، ثم يذهب إلى الصلاة كأن شيئًا لم يقع.
2. آثاره على الأسرة
الأسرة التي تعظّم الله: لا يسمع أطفالها سبَّ الدين والرب في البيت، ويتعلم أبناؤها ضبط الغضب، وتُصان فيها المقدسات من المزاح والاستهزاء، ويُربَّى الأبناء على أن أسماء الله وآياته وشعائره ليست مجالًا للعب، ويسارع الوالدان إلى تصحيح الألفاظ المنكرة، بدل الضحك عليها أو السكوت عنها.
أما إذا اعتاد الطفل سماع أبيه أو إخوته يسبون الدين عند كل مشكلة، فقد ينشأ وهو يظن أن ذلك مجرد عادة لا علاقة لها بالإيمان.
3. آثاره على المجتمع
تعظيم الله يؤدي إلى: حفظ الحرمات والمقدسات، وتقليل السب واللعن والعنف اللفظي، ونشر الرحمة والأمان الأخلاقي، ومقاومة السخرية من الدين وأهله، واحترام المساجد والقرآن والعلماء والشعائر، ومنع انتشار ألفاظ الردة على ألسنة الناس.
والمجتمع الذي تُستهان فيه ألفاظ الكفر، قد ينتقل فيه المنكر من كونه مستنكرًا إلى أن يصبح عادةً، ثم مزاحًا، ثم يفقد الناس خطورته.
كيف يظهر تعظيم الله في الأقوال والأعمال؟
في الأقوال
يظهر تعظيم الله في: ذكر الله بأدب وخشوع، وعدم الحلف بالله كذبًا، وعدم استعمال اسم الله في المزاح السخيف، وعدم سب الدين أو الرب أو القرآن أو الأنبياء، وعدم الاعتراض على الله بعبارات السخط، وعدم إطلاق ألفاظ الكفر بقصد الضحك أو التخويف، وعدم المشاركة في مجموعة يُستهزأ فيها بالدين دون إنكار؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» [البخاري: 6478].
في الأعمال
يظهر تعظيم الله في: المحافظة على الصلاة، وترك الحرام ولو خالف الهوى، وتوقير القرآن وعدم امتهانه، واحترام المساجد، وتعظيم أحكام الشريعة، والتوبة الصادقة بعد الذنب، وإنكار الاستهزاء بالدين بحسب الاستطاعة، وإنكار المنشورات والتعليقات التي تتضمن سبًّا أو كفرًا من المجموعات التي يديرها الإنسان وحذفها إن كان قادرًا على ذلك. والله أعلى وأعلم.
✍ الشيخ عبد الباري بن محمد خلة