الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فالمرأة إذا لم تتزوج إلا رجلًا واحدًا في الدنيا، فتكون معه في الجنة إذا دخلها، لقول الله تعالى: }ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ{ [الزخرف: 70].
أما إذا تزوجت أكثر من رجل في الدنيا، فاختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول- تكون الزوجة في الآخرة لأحسنهم خلقًا، فرُويَ عن أنسٍ رضي الله عنه قال: قالتْ أُمُّ حبيبَة: يا رسول الله! المَرأَةُ يكونُ لها زوجانِ، ثُمَّ تموتُ فتدخلُ الجنَّةَ هي وزوجاها؛ لأيِّهما تكون؟ للأوَّلِ أو للآخَرِ؟ قال: 'تُخيّر أحسنهما خُلُقاً كان معها في الدنيا، يكون زوجَها في الجنَّة، يا أمَّ حبيبَة! ذَهبَ حُسنُ الخُلقِ بخيْرَيِ الدنيا والآخِرَةِ'. [أخرجه الطبراني بسند ضعيف (23/ 222)].
القول الثاني- تكون الزوجة في الآخرة لآخر الأزواج، فعَنْ صِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إِنْ شِئْتِ أَنْ تَكُونِي زَوْجَتِي فِي الْجَنَّةِ، فَلَا تَزَوَّجِي بَعْدِي، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ فِي الْجَنَّةِ لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا فِي الدُّنْيَا'. [أخرجه البيهقي في السنن الكبرى رقم 13421 (7/ 111)].
وعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ أَنَّهَا قَالَتْ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ عِنْدَ الْمَوْتِ: 'إنَّكَ خَطَبْتَنِي إلَى أَبَوَيَّ فِي الدُّنْيَا فَأَنْكَحَاكَ وَإِنِّي أَخْطُبُكَ إلَى نَفْسِكَ فِي الْآخِرَةِ'، قَالَ 'فَلَا تَنْكِحِي بَعْدِي' [شرح مشكل الآثار للطحاوي رقم 654 (2/ 120)]
وعَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ الْكِلَابِيِّ قَالَ: خَطَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أُمَّ الدَّرْدَاءِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، فَقَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: إِنِّي سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ فَهِيَ لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا» وَمَا كُنْتُ لِأَخْتَارَكَ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَكَتَبَ إِلَيْهَا مُعَاوِيَةُ: فَعَلَيْكِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ مَحْسَمَةٌ (قاطع للشهوة). [أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط رقم 3130 (3/ 275)].
القول الثالث- الزوجة في الآخرة للزوج الأول.
ولعل القول الثاني تميل إليه النفس، وهو أنها لآخر أزواجها في الدنيا؛ لأنه يعضده بعض الآثار، ولا يخفى أن الآخرة تختلف عن الدنيا، ففي الآخرة الكمال المطلق، وليس هناك غيرة ولا حقد ولا غل، فترضى الزوجة بمن قدر الله لها، ويرضى الزوج بما قدر الله له.
وكل هذا اجتهاد، وليس فيه نص قاطع، والله أعلم بالحقيقة يوم القيامة فهو من المغيبات. والله أعلى وأعلم.
الشيخ عبد الباري بن محمد خلة