الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أمّا بعد:
فذهب جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى أن للزوجين حق فسخ عقد النكاح بالعيب، قال الماوردي -رحمه الله-: {اعلم أن النكاح يفسخ بالعيوب، والعيوب التي يفسخ بها النكاح تستحق من الجهتين، فيستحقها الزوج إذا وُجِدت بالزوجة العيوبُ التي يُفسخُ بها النكاح، وتستحقها الزوجة إذا وجدت بالزوج العيوب التي يفسخ بها النكاح} [الحاوي للماوردي (9/ 338)].
واختلف الفقهاء في كون العيوب الموجبة لفسخ عقد النكاح محصورة في عيوب محددة، أو أنها غير محددة، والأقرب – والله أعلم – أن العبرة ليست بمجرد حصر العيوب في صورٍ معينة، بل بكل عيبٍ يفوِّت مقصود النكاح أو يمنع حصول المودة والرحمة أو يوقع ضررًا بالغًا بأحد الزوجين، قال ابن القيم -رحمه الله:{وَأَمّا الِاقْتِصَارُ عَلَى عَيْبَيْنِ أَوْ سِتّةٍ أَوْ سَبْعَةٍ أَوْ ثَمَانِيَةٍ دُونَ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهَا أَوْ مُسَاوٍ لَهَا فَلَا وَجْهَ لَهُ، وَالْقِيَاسُ أَنّ كُلّ عَيْبٍ يُنَفّرُ الزّوْجَ الْآخَرَ مِنْهُ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ النّكَاحِ مِنْ الرّحْمَةِ وَالْمَوَدّةِ يُوجِبُ الْخِيَارَ} [زاد المعاد لابن القيم (5/ 165)].
بعض العيوب المشهورة التي يرد بها عقد النكاح:
1- العُنَّةُ: وهي عجزُ الرجل عن الجماع.
2- الجَبُّ: وهو قطعُ الذَّكَرِ كلِّه بحيثُ لم يَبْقَ منه ما يَطَأُ به.
3- الخِصاءُ: وهو نزعُ الخُصْيَتَيْنِ.
4- الرَّتْقُ بالنسبةِ للمرأة: وهو انسدادُ الفَرْجِ باللَّحم.
5- القَرَنُ: وهو انسدادُ الفَرْجِ بعَظْمٍ.
6- الجُنُونُ والجُذامُ والبَرَصُ: وهي عيوبٌ قد تكون في أحد الزوجين.
شروط فسخ عقد النكاح بالعيب:
1- أن يكون العيب موجودًا قبل العقد.
2- عدم العلم بوجود العيب عند العقد.
3- عدم وجود ما يدل على الرضا بالعيب بعد علمه بوجوده.
4- أن يكون العيب مستحكمًا أو يغلب على الظن عدم زواله، أو يتعذر الصبر عليه.
ويرجع في تقدير العيب الموجب للفسخ وثبوته إلى القاضي، بعد الاستعانة بأهل الخبرة والاختصاص عند الحاجة.
والأصل في المسلم الصدق والأمانة والنصيحة، فلا ينبغي للمسلم أن يخدع غيره أو يكتم عنه ما يضرُّه، بل يجب عليه أن ينصح له، فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» [البخاري: 57].
فالنصيحة شاملة في البيع والشراء والزواج وغيرها، فإذا كان هناك عيب فلا بد من بيانه، وعندها يختار الزوج أو يرفض، أو الزوجة؛ لأن الأصل في عقد الزواج الدوام والاستقرار فلا بد أن تقوم الحياة الزوجية على المودة والانسجام.
فإن شعر أحد الزوجين أن شريكه أخفى عنه، أو دلس عليه، أو غبنه، فربما ترتب على ذلك كثيرٌ من المآسي والآثار السيئة وعدم الاستقرار، ولربما يصل الأمر إلى الطلاق، وتشتيت العائلة فحريٌّ بالجميع أن يتحرَّوا الصدق والوضوح.
ولا يجوز للوالدين أن يخفوا عيبًا معتبرًا عن الزوج، ولا كذلك عن الزوجة، فإن كان العيب غير معتبر كعملية جراحية خفيفة كالزائدة والمرارة والتي لا تؤثر على سير الحياة الزوجية، فلا يجب إعلام الزوج أو الزوجة به، أما إذا أخفى أحد الزوجين عن الآخر ما به من عيب، فهذا من قبيل الغش، فكلمة الغش كلمة عامة، تشمل كل غش، سواء في البيع، أم في الزواج، أم في غيرهما، والغش مذموم ومنهي عنه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» [مسلم: 102].
قال ابن القيم -رحمه الله-:{وَإِذَا كَانَ النّبِيّ -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- حَرّمَ عَلَى الْبَائِعِ كِتْمَانَ عَيْبِ سِلْعَتِهِ، وَحَرّمَ عَلَى مَنْ عَلّمَهُ أَنْ يَكْتُمَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، فَكَيْفَ بِالْعُيُوبِ فِي النّكَاحِ؟ وَقَدْ قَالَ النّبِيّ -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَشَارَتْهُ فِي نِكَاحِ مُعَاوِيَةَ أَوْ أَبِي الْجَهْمِ: «أَمّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ وَأَمّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ» فعُلمَ أَنَّ بَيَاْنَ اَلْعِيْبِ فِي اَلنَّكَاْحِ أَوْلَى وَأَوْجَبُ، فَكَيْفَ يَكُونُ كِتْمَانُهُ وَتَدْلِيسُهُ؟
وَالْغِشّ الْحَرَامُ بِهِ سَبَبًا لِلُزُومِهِ وَجَعَلَ ذَا الْعَيْبِ غُلّا لَازِمًا فِي عُنُقِ صَاحِبِهِ مَعَ شِدّةِ نُفْرَتِهِ عَنْهُ وَلَا سِيّمَا مَعَ شَرْطِ السّلَامَةِ مِنْهُ وَشَرْطِ خِلَافِهِ وَهَذَا مِمّا يُعْلَمُ يَقِينًا أَنّ تَصَرّفَاتِ الشّرِيعَةِ وَقَوَاعِدَهَا وَأَحْكَامَهَا تَأْبَاهُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ}. [زاد المعاد (5/ 168)].
فإذا كان هناك عيب معتبر للفسخ، وأخفاه أحد الزوجين، فهو آثم، وإن أخفى ذلك الوالدان فهما آثمان أيضًا؛ لأنهما مشاركان في التضليل.
أما العيوب اليسيرة التي لا تؤثر في مقاصد النكاح ولا في استقرار الحياة الزوجية عادةً، فلا يجب بيانها.
فإن أخفى أحد الزوجين عن الآخر عيبًا معتبرًا، وعلم به الزوج ورضي، فالزواج صحيح، وسقط حقه في الفسخ.
فإن لم يعلم بالعيب إلا بعد الدخول، فله حق الفسخ ما لم يرض به بعد العلم.
وإن رضي بذلك، وستر على شريكه، واحتسب ذلك عند الله فله الأجر والثواب، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: {مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [مسلم: 2699].
وعنه-رضي الله عنه-عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-َ، قَالَ: {لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا، إِلَّا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [مسلم: 2590].
وقد يكون الدافع إلى إخفاء العيوب الجهل بأحكام النكاح، أو الخوف من فوات الزواج، أو سوء التقدير.
وعلى الزوجين وأهليهما تقوى الله، وعدم الوقوف عند ظواهر الأمور كثيرًا، بل يختار الشاب شريكة حياته بناء على مواصفات النبي -صلى الله عليه وسلم-، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: {تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ َلأرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ} [البخاري: 5090].
وأخيرًا أنصح الأزواج والأهل أن يتقوا الله، وأن يعملوا بشرعه، وأن يبتعدوا عن سفاسف الأمور، ويجتهدوا في إحقاق الحق، ورد الحقوق إلى أصحابها. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الشيخ عبد الباري بن محمد خلة