الشيخ عبد البارى بن محمد خلة | مقالات | الإسراف في الأكل والشرب في رمضان

اليوم : السبت 20 شوَّال 1443 هـ – 21 مايو 2022م
ابحث في الموقع

الإسراف في الأكل والشرب في رمضان

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد:

فيقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}. [الفرقان: 67]

ويقول الله تعالى: {وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}. [الإسراء: 27، 28]

ويقول الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}. [الأعراف: 31].

 وهذه الآية الكريمة اشتملت على نصف الطب، فإن أكثر الأمراض من التُّخمة، وإدخال الطعام على الطعام.

وعَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ. [رواه الترمذي بسند صحيح (4/ 590) رقم 2380].

 وعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لاَ يَأْكُلُ حَتَّى يُؤْتَى بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَأَدْخَلْتُ رَجُلًا يَأْكُلُ مَعَهُ، فَأَكَلَ كَثِيرًا، فَقَالَ: يَا نَافِعُ! لاَ تُدْخِلْ هَذَا عَلَيَّ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: 'الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ'. [رواه البخاري (7/71) رقم 5393]

وقالت العرب قديما: المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء.

والغذاء في الإسلام وسيلة لا غاية، فهو وسيلة لحياة الإنسان، وجعل الله في الإنسان ميلاً للطعام، ليبني به جسده، ويتلذذ به في حياته لكنه مقيد فيه بالمحافظة على صحته.

وشهر الصيام هو شهر والقرآن والقيام وهو فرصة لكبح النفس عن شهواتها،

وموسم من مواسم الطاعة ودورة تربوية فيقلل المسلم في شهر رمضان من الطعام والشراب والشهوات لينال بذلك الفضل والمغفرة من الله تعالى.

 غير أن بعض الناس يجنحون إلى جعل هذا الشهر موسما من مواسم الملذات فيتحول شهر رمضان إلى شهر أكل لما لذّ وطاب، ويستهلكون فيه أضعاف ما يستهلنكه في غيره من الشهور

فيبدأ بعضهم بالاستعداد له قبل مجيء رمضان، وتقوم الدول بمضاعفة الاستيراد من اللحوم والمواد الغذائية، ويندفع الجميع إلى طريق الأكل والشرب بلا هوادة وهكذا أصبح رمضان في هذه الأيام.

وقد حذر الإسلام من كثرة الطعام والشراب والإسراف فيهما وتكلم الأطباء والحكماء في خطورة الإسراف

فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ. [رواه الترمذي بسند حسن (5/79) رقم 2559].

عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ سَمِعْتُ سَلْمَانَ وَأُكْرِهَ عَلَى طَعَامٍ يَأْكُلُهُ فَقَالَ حَسْبِي أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. [رواه ابن ماجه بسند حسن (2/ 1112) رقم 3351].

وقال بعض الأطباء: (من أراد عافية الجسم فليقلل من الطعام والشراب، ومن أراد عافية القلب فليترك الآثام).

وقال ثابت بن قرة: (راحة الجسم في قلة الطعام وراحة الروح في قلة الآثام وراحة اللسان في قلة الكلام).

وأختم ذكر بفوائد الاعتدال في الطعام التي ذكرها العلماء، ومنها:

1-           صفاءُ القلبِ وإيقادُ القريحة وإنفاذ البصيرة، فإنّ الشبعَ يورثُ البلادةَ ويُعمي القلب، جاءَ في الحكمة (مَن أجاعَ بطنَه عظُمت فكرتُه وفَطُن قلبُه).

2-           دفعُ النومِ ودوامُ السَّهر، فإنَّ مَن شَبِع كثيرًا شرب كثيرًا، ومن كثر شربُه كثرَ نومه، وفي كثرةِ النومِ ضياعُ العمر وفوتُ التهجدِ وبلادةُ الطبعِ وقسوةُ القلب.

3-            الانكسارُ والذلُ وزوالُ البَطَرِ والأشرِ، والذي يورث الغفلةِ عن الله تعالى.

4-           الشبعانَ ينسى الجائعَ وينسى الجوع، والذي يكثر من الجوع يتذكر الآخرين.

5-           كثرة الجوع يكسرُ شهواتِ المعاصي، فإنَّ منشأَها الأطعمة. قال ذو النون ما شبعتُ قطُّ إلا عصيتُ أو هممتُ بمعصية.

6-           صحةُ البدن ودفعُ الأمراض، فإن سببَها كثرةُ الأكل، وقد قالَ الأطباء: البِطْنةُ أصلُ الداء، والحِميةُ أصلُ الدواء. انظر: إحياء علوم الدين

وأخيرا ينبغي علينا أن نستثمر شهر رمضان في طاعة الله والمحافظة على حدوده وأن نهجر الذنوب والمعاصي وأن ننمي في نفوسنا المراقبة والخشية

الشيخ عبد الباري بن محمد خلة

الأكثر مشاهدة


الورع

لقمة الزقوم والقلاش ذوق الطعام من البضاعة قبل الشراء

الغفلة

الاشتراك في القائمة البريدية