الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فالصدقة الجارية هي الوقف، وله صور كثيرة، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: 'أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا»، فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُورَثُ فِي الفُقَرَاءِ، وَالقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ، لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ'. [أخرجه البخاري رقم 2772 (4/ 12)].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ) [أخرجه ابن ماجه بسند حسن رقم 242 (1/ 163)].
فالصدقة الجارية يكون نفعها عامًّا، كالمساجد والمستشفيات ودور القرآن وغيرها.
أما الصدقة غير الجارية (العادية) فلا يتجاوز نفعُها صاحبَها، كمن تصدق على فقير، أو ساهم في علاجه أو زواجه.
وربما كانت الصدقةُ العاديَّةُ أفضلَ من الجارية في بعض الأزمان والأماكن، كالصدقة على أهل غزة، وفي زمن الحرب، فقد أصاب أهلَ غزةَ فاقةٌ تفوق الوصف، فوجب على كل حر أن يخفِّف عنهم، فكانت الصدقة عليهم أفضلَ من أيّ صدقة جارية. والله أعلى وأعلم.
الشيخ عبد الباري بن محمد خلة