الشيخ عبد الباري بن محمد خلة | الفتاوى | سماحة الشيخ ما حكم الشرع في قول الرجل لزوجته، كلما حللت حرمت، أو كل ما تحلي تحرمي، أو إذا ردك شيخ حرمك الشيخ الآخر، أفيدونا بوركتم؟

اليوم : الأربعاء 27 شوَّال 1447 هـ – 15 أبريل 2026م
ابحث في الموقع

سماحة الشيخ ما حكم الشرع في قول الرجل لزوجته، كلما حللت حرمت، أو كل ما تحلي تحرمي، أو إذا ردك شيخ حرمك الشيخ الآخر، أفيدونا بوركتم؟

فتوى رقم: 1447
الجواب: الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد: فقبل الخوض في أقوال الفقهاء، يحسن المقام أن أذكر معنى (كُلَّمَا) عند النحاة؛ ليكون منطلقًا بعد ذلك إلى الحكم الشرعي المراد بيانه. فكلّما من أدوات الشرط غير الجازم، وتكون ظرفًا للزمان الماضي، تفيد تَكرار وقوع الجواب بتَكرار وقوع الشرط، كقول الله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} [آل عمران: 37]. [همع الهوامع في شرح جمع الجوامع للسيوطي (2/ 600)؛ التحرير والتنوير لابن عاشور (3/ 236)]. وإعراب كلَّما: كل اسم مبني على الفتح في محل نصب على الظرفية، وما: مصدرية حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب. ومن الخطأ تَكرار [كلَّما] في جواب الشرط، فلا يقال: كلَّما جئتني، كلَّما أكرمتك، والصواب، كلَّما جئتني أكرمتك. لأن «كلَّما» أداة شرط، تفيد التَّكرار، فلا يجوز تَكرار التَّكرار. وما والفعل بعدها 'فعل الشرط' في محل جر بالإضافة، والتقدير كل مجيء يليه إكرام، فالعامل فيها جوابها. [أخطاء اللغة العربية المعاصرة لأحمد مختار عبد الحميد عمر (ص190)]. أما عن حكم قول الرجل لزوجته كلما حللت حرمت، أو كل ما تحلي تحرمي، فبحسب قوعد اللغة وأن كلما تدل على الاستمرار، اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول- يقع الطلاق مؤبدًا، كأن قصد بذلك كلما حلَّ العقد عليها فهو حرام، أو قصد كلما تزوجها فهي حرام، فتحرم عليه على التأبيد، ذهب إلى هذا القول الحنفية والمالكية. قال ابن عابدين-الحنفي- {وَمِثْلُهُ قُولُ الْعَوْامِ فِي زَمَانِنَا أَيْضاً أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا أَحَلَّك الشَّيْخُ حَرَّمَك شَيْخٌ، فَإِنَّ مُرَادَهُمْ بِالثَّانِي تَأْبِيدُ الْحُرْمَةِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ كُلَّمَا حَلَلْت لِي، حُرِّمْت عَلَيَّ، فَكُلَّمَا عَقَدَ عَلَيْهَا بَانَتْ مِنْهُ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الْكَلَامِ الْإِخْبَارَ عَنْ الطَّلَاقِ الْمَذْكُورِ دُونَ إنْشَاءِ التَّحْرِيمِ، وَدُونَ جَعْلِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ صِفَةً لِلطَّلَاقِ الْمَذْكُورِ، فَلَا تَحْرُمُ أَبَدًا، لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِخِلَافِ الْمَشْرُوعِ، لَكِنَّ الْعَامِّيَّ لَا يَفْهَمُ ذَلِكَ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرِيدُ إنْشَاءَ تَأْبِيدِ الْحُرْمَةِ} [رد المحتار (11/ 114)]. وقال النفراوي- المالكي-رحمه الله-: {لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، كُلَّمَا حَلَلْت حُرِّمْت، فَهَلْ تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ زَوْجٍ أَمْ لَا؟ فِي جَوَابِهِ تَفْصِيلٌ: مُحَصَّلُهُ إنْ قَصَدَ كُلَّمَا حَلَّ لِي الْعَقْدُ عَلَيْك، فَهُوَ حَرَامٌ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ تَحْرِيمِ الطَّعَامِ، وَبِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لِأَجْنَبِيَّةٍ أَنْتِ حَرَامٌ، وَلَمْ يَقْصِدْ بَعْدَ نِكَاحِهَا، وَإِنْ قَصَدَ كُلَّمَا حَلَلْت، وَتَزَوَّجْتُك، فَأَنْتِ حَرَامٌ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وَاحِدًا مِنْ هَذَيْنِ فَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى الثَّانِي لِكَثْرَةِ قَصْدِ النَّاسِ لَهُ} [الفواكه الدواني للنفراوي (1/ 418)]. القول الثاني- تقع عليه طلقة واحدة، إذا كان مدخولًا بها، فإن قصد تَكرار الطلاق تكرر، ووقع باتًّا، فلا رجعة له، ذهب إلى هذا القول الشافعية. قال الجمل: «كُلَّمَا حَلَلْت حَرُمْت فَوَاحِدَةٌ أَيْ وَعَلَيْهِ، فَلَوْ رَاجَعَهَا هَلْ تَطْلُقُ ثَانِيًا وَثَالِثًا أَوْ لَا ‌فِيهِ ‌نَظَرٌ، ‌وَاَلَّذِي ‌يَظْهَرُ ‌أَنَّهُ ‌إنْ ‌نَوَى ‌بِقَوْلِهِ كُلَّمَا حَلَلْت حَرُمْت الطَّلَاقَ ثُمَّ رَاجَعَ مَرَّتَيْنِ طَلُقَتْ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ هِيَ مَحَلُّ الطَّلَاقِ وَكُلَّمَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ، فَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْ الطَّلْقَةِ الْأُولَى ثُمَّ نَكَحَهَا نِكَاحًا جَدِيدًا لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ سَابِقٌ عَلَى هَذَا النِّكَاحِ» [حاشية الجمل (4/ 342)]. وقال البجيرمي: «وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ‌كُلَّمَا ‌حَلَلْت حَرُمْت وَقَعَتْ عَلَيْهِ طَلْقَةٌ، فَلَوْ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الثَّانِيَةُ، فَلَوْ رَاجَعَهَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الثَّالِثَةُ وَبَانَتْ مِنْهُ الْبَيْنُونَةَ الْكُبْرَى. وَالْمُخَلِّصُ لَهُ الصَّبْرُ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةٍ إلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ثُمَّ يَعْقِدُ عَلَيْهَا» [حاشية البجيرمي (3/ 497)]. فإذا قال الرجل لزوجته: 'أنت طالق وكلما تحلي لي تطلقي أو تحرمي' طلقت طلقة واحدة، فإن راجعها في العدة، حلّت له، وطلقت طلقة ثانية؛ فإن راجعها حلّت له وطلقت طلقة ثالثة، وبانت منه بينونة كبرى، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. والحيلة في ذلك ألا يراجعها في الحال بل يراجعها بعد انتهاء العدة، حيث تكون بانت منه بينونة صغرى، فيجوز الرجوع لها بعقد ومهر جديدين وباقي شروط النكاح. هذه أقوال الفقهاء في هذه المسألة، وكما هو واضح، فقد اعتمدوا في فتواهم هذه على اللغة، وهم محقون في ذلك، فتحدثوا عن مثل هذه الألفاظ، ونظروا إلى واقع اللغة، حيث كانوا أصحاب لسان، ويعرفون دقائق اللغة؛ لذا كان من الممكن أن يطبقوا هذه الأحكام على من صدرت منه هذه الألفاظ، لكن بالنظر إلى واقعنا اليوم، حيث العجمة في أوساط المثقفين والمتعلمين، فهم لا يميزون بين هذه اللفظة وتلك؛ لذا فيمكن القول إنه لا يقع الطلاق البائن إلا ممن يعقل هذه الألفاظ والمعاني ويريدها؛ أما الذين يجهلون ذلك فهذه العبارة لغو في حقهم؛ لذا فمن قال: أنت طالق وكلما حللت حرمت، أو علي الطلاق، وكلما حللت حرمت، تقع عليه طلقة رجعية إن كانت الطلقة الأولى أو الثانية، وكانت الرجعة قبل انتهاء العدة، أو بائنًا بينونة صغرى إن كانت الرجعة بعد انتهاء العدة، لكن بعقد ومهر جديدين، وبذلك نُعمِل القواعد الفقهية والقواعد اللغوية، وكذا الأعراف المعتبرة، فيكون هذا الحالف بحسب نيته، فإن نوى الطلاق الرجعي، فهو كذلك، وإن نوى الطلاق البائن، فهو كذلك، وإن كانت الصيغة كنائية، فإن نوى الطلاق وقع طلاقًا، وإن نوى يمينًا فهو يمين، فعلى المفتي أن يسأل الحالف عما إذا كان يعرف المعنى أو يجهله، فإن كان يعرف المعنى فهو قاصد له فتبِيْن زوجته منه، ولا ترجع له، وإن كان يجهل المعنى المراد ولا يقصده فتقع عليه طلقة رجعية. وأسأل الله تعالى أن يوفق أبناء المسلمين لما فيه الخير وأن يجنبهم الحرام ما ظهر منه وما بطن. والله أعلى وأعلم. الشيخ عبد الباري بن محمد خلة

الأكثر مشاهدة


أحاديث الإسراء والمعراج كما جاءت في صحيحي البخاري ومسلم

النفاق الاجتماعي وأثره على الفرد والمجتمع

لقمة الزقوم والقلاش ذوق الطعام من البضاعة قبل الشراء

الاشتراك في القائمة البريدية