الشيخ عبد الباري بن محمد خلة | الفتاوى | حكم مماطلة الزوج في أداء نفقة زوجته إذا قضت المحكمة بها

اليوم : السبت 3 صفر 1448 هـ – 18 يوليو 2026م
ابحث في الموقع

حكم مماطلة الزوج في أداء نفقة زوجته إذا قضت المحكمة بها

فتوى رقم: 1478
الجواب:

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:

فنفقة الزوجة من الحقوق الواجبة على الزوج؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]، والمقصود بالمولود له: الأب، وسمي بذلك؛ لأن الولد يُنسَب إليه ويُعَدُّ مولودًا له، والمعنى أن نفقة الأم وكسوتها واجبة على الأب بالمعروف ما دامت في حال الرضاع، واستدل بها الفقهاء على أصل وجوب النفقة.

 وقال الله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: 7]. أي: على مَن وسَّع الله عليه في الرزق أن ينفق بحسب قدرته وغناه، فكلُّ إنسانٍ مكلَّف بالنفقة على قدر حاله وإمكاناته.

 وعَنْ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟، قَالَ: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، -أَوِ اكْتَسَبْتَ-» [أبو داود، صحيح: 2142].

فإذا رفعت الزوجة دعوى نفقة على زوجها، وقضت المحكمة المختصة لها بالنفقة، وكان حكمها على وجه مشروع، وكان الزوج قادرًا على الأداء، فإن مماطلته في دفع النفقة وتأخيرها من غير عذرٍ معتبر شرعًا أمرٌ محرَّم، وهو داخل في الظلم والتعدي على الحقوق، ولا يغيِّر اللجوءُ إلى القضاء من الحكم الشرعي للنفقة شيئًا؛ إذ تبقى حقًّا واجبًا في ذمة الزوج، لا يجوز له مع القدرة على الوفاء أن يؤخر أداءها أو يتحايل على إسقاطها.

ونهى الشرع عن الظلم والمماطلة في أداء الحقوق، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ» [مسلم: 2578].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتَّبِعْ» [البخاري: 2288]. والمطل هو تأخير أداء الحق مع القدرة على الوفاء.

أما إذا كان الزوج معسرًا حقيقةً، لا يجد ما يؤدي به النفقة، أو أصابته ظروف قاهرة تمنعه من السداد، فلا يأثم بمجرد إعساره وعجزه الحقيقي عن الأداء، لكن يجب عليه أن يبين حاله، وأن يسعى في أداء ما عليه متى قدر، ولا يجوز له الكذب أو إخفاء قدرته المالية، قال الله تعالى:﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]، أي: إذا كان المدين معسرًا عاجزًا عن الوفاء، وجب إمهاله وتأخير مطالبته حتى تتيسر له القدرة على السداد.

وعلى الزوج أن يتقي الله تعالى في زوجته وأولاده، وليعلم أن النفقة ليست مِنَّةً ولا تفضلًا، وإنما هي حق أوجبه الله عليه، والمماطلة في أداء النفقة تورث الخصومات والعداوات، وتزيد الشقاق بين الزوجين، وقد تكون سببًا في تفكك الأسرة وضياع الأبناء.

كما ينبغي للزوجين أن يحرصا على الصلح والتراضي ما أمكن، وتجنب تصعيد النزاعات، فإن بقاء المودة وحفظ الحقوق أولى من كثرة الخصومات في المحاكم. والله أعلى وأعلم.

                             الشيخ عبد الباري بن محمد خلة


الأكثر مشاهدة


أحاديث الإسراء والمعراج كما جاءت في صحيحي البخاري ومسلم

النفاق الاجتماعي وأثره على الفرد والمجتمع

لقمة الزقوم والقلاش ذوق الطعام من البضاعة قبل الشراء

الاشتراك في القائمة البريدية