الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فالحكم على أي معاملة أو منصة يتوقف على معرفة حقيقة نشاطها وعقودها، وإنما الجواب هنا مبني على الصورة المذكورة في السؤال.
فإذا كانت هذه المنصة تطلب من المشترك إيداع مبلغ (100) شيكل، وتلتزم بأن تعطيه ربحًا ثابتًا مقداره (3) شواكل يوميًا، دون أن يكون الربح مرتبطًا بتجارة حقيقية معلومة، أو استثمار مشروع يتحمل فيه الطرفان الربح والخسارة، فإن هذه المعاملة لا تجوز شرعًا.
وذلك أن الشركة الشرعية لها ضوابط، منها: معرفة أطراف العقد، وبيان نشاط الشركة، وتحديد رأس المال، وأن يكون الربح نسبةً شائعة من الربح، لا مبلغًا مقطوعًا ولا نسبةً من رأس المال، وأن يتحمل الشركاء الربح والخسارة بحسب العقد.
أما ضمان رأس المال مع اشتراط ربح ثابت محدد سلفًا، فليس من الشركات الشرعية، وإذا كانت حقيقة العقد قرضًا يرد مع زيادة مشروطة، فهو من الربا المحرم، وقد اتفق الفقهاء على تحريم الزيادة المشروطة في القرض، والعبرة في العقود بحقائقها ومعانيها لا بأسمائها وألفاظها.
والأدلة على ذلك كثيرة:
أولًا- القرآن الكريم
1. قال الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].
2. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 278].
3. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29].
ثانيًا- السنة
عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: 'لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ' [مسلم: 2995].
ثالثًا- القواعد الفقهية:
1. الغنم بالغرم؛ أي لا يستحق الإنسان الربح إلا إذا تحمل احتمال الخسارة.
2. الخراج بالضمان؛ فمن استحق الغلة والربح، فعليه أن يتحمل تبعة الضمان.
وإذا كانت حقيقة المعاملة قرضًا مع اشتراط زيادة، فهو من الربا المحرم، وإن سمي استثمارًا أو تجارة.
رابعًا- من جهة واقع هذه المنصات:
فكثير من هذه المنصات -بحسب ما ظهر من واقعها- تعتمد على نظام بونزي أو النظام الهرمي، وذلك بدفع أرباح المشتركين القدامى من أموال المشتركين الجدد، دون وجود نشاط اقتصادي حقيقي يحقق تلك الأرباح.
وهذا محرم من وجوه، منها:
1. الغرر والجهالة في العقد.
2. أكل أموال الناس بالباطل.
3. الغش والخداع وإيهام الناس بوجود استثمار حقيقي مع عدم وجوده.
وغالبًا ما تنتهي هذه الأنظمة إلى الانهيار؛ لأنها لا تقوم على نشاط اقتصادي حقيقي، فيخسر أكثر المشتركين أموالهم، ويدخل ذلك فيما رواه أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: 'مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي'. [مسلم: 102].
والفرق بين التجارة الشرعية وهذه المعاملة:
التجارة الشرعية، ومنها المضاربة والشراكة، تقوم على استثمار حقيقي، ويكون الربح فيها نسبةً شائعة من الربح الفعلي، ولا يكون مضمونًا، كما يتحمل الشركاء احتمال الخسارة بحسب أحكام الشريعة.
أما في هذه المعاملة، فإذا كان رأس المال مضمونًا، والربح محددًا وثابتًا منذ بداية العقد، فإنها ليست مضاربة شرعية، بل هي معاملة محرمة إذا كانت في حقيقتها قرضًا بفائدة، أو استثمارًا صوريًا يخالف الضوابط الشرعية.
وعليه:
فلا يجوز الاشتراك في مثل هذه المنصات حتى يثبت بوضوح أن نشاطها مباح، وعقودها مستوفية للشروط الشرعية، وأن الأرباح ناتجة عن تجارة حقيقية، وليست أرباحًا مضمونة أو وهمية.
ونصيحتي للجميع:
أولًا- احذروا هذه المنصات مهما زخرفت نفسها بشعارات الاستثمار الحلال أو الأرباح المضمونة، ولا تغتروا بوعد الربح السريع؛ فإنه في كثير من الأحيان يكون وسيلة لاستدراج الناس إلى خسارة أموالهم.
ثانيًا- احرصوا على الكسب الحلال من تجارة حقيقية واضحة، تقوم على الشفافية، والعقود الصحيحة، وتوزيع الربح والخسارة وفق أحكام الشريعة الإسلامية.
ونسأل الله تعالى أن يغنينا بحلاله عن حرامه، وبفضله عمن سواه. والله أعلى وأعلم.
الشيخ عبد الباري بن محمد خلة