الشيخ عبد الباري بن محمد خلة | الفتاوى | حكم حجز الأماكن في المسجد بوضع سجادة أو كرسي ونحو ذلك لو تكرمتم ببيان حكم حجز الأماكن في المسجد بوضع سجادة أو كرسي أو غير ذلك؛ فقد وقعت مشكلةٌ في أحد المساجد، إذ جاء رجلٌ مبكرًا يوم الجمعة، فرفع كرسيًّا كان موضوعًا في أحد الأماكن ليجلس فيه، فاعترض عليه أحد المصلين، وأخبره أن هذا المكان محجوزٌ لفلان، والجدير بالذكر أن صاحب المكان المحجوز لم يكن حاضرًا في المسجد أصلًا، بل صلَّى الجمعة في مسجدٍ آخر. فما حكم حجز الأماكن في المساجد على هذه الصورة؟

اليوم : الأربعاء 30 محرَّم 1448 هـ – 15 يوليو 2026م
ابحث في الموقع

حكم حجز الأماكن في المسجد بوضع سجادة أو كرسي ونحو ذلك

لو تكرمتم ببيان حكم حجز الأماكن في المسجد بوضع سجادة أو كرسي أو غير ذلك؛ فقد وقعت مشكلةٌ في أحد المساجد، إذ جاء رجلٌ مبكرًا يوم الجمعة، فرفع كرسيًّا كان موضوعًا في أحد الأماكن ليجلس فيه، فاعترض عليه أحد المصلين، وأخبره أن هذا المكان محجوزٌ لفلان، والجدير بالذكر أن صاحب المكان المحجوز لم يكن حاضرًا في المسجد أصلًا، بل صلَّى الجمعة في مسجدٍ آخر.

فما حكم حجز الأماكن في المساجد على هذه الصورة؟

فتوى رقم: 1476
الجواب:

الحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، أما بعد:

فاختلف الفقهاء في حكم حجز الأماكن في المساجد بوضع السجاد أو الكراسي أو غيرها قبل حضور صاحبها، على أقوالٍ متعددة، والراجح –والله أعلم– عدم جواز ذلك؛ لأنَّ المساجد حقٌّ عامٌّ للمسلمين، والسابق إلى المكان أحقُّ به.

ذهب إلى هذا القول جماعةٌ من أهل العلم، منهم المالكية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، واستثنى بعض الفقهاء، كالمالكية والشافعية، ما تدعو إليه الحاجة من تخصيص مكانٍ للمفتي أو المقرئ أو الواعظ إذا اقتضت المصلحة ذلك.

قال الدسوقي المالكي رحمه الله: 'وَأَمَّا السَّبْقُ بِالْفُرُشِ فَهُوَ تَحْجِيرٌ لَا يَجُوزُ' [حاشية الدسوقي (3/ 368)].

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: 'لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْرِشَ شَيْئًا وَيَخْتَصَّ بِهِ مَعَ غَيْبَتِهِ، وَيَمْنَعَ بِهِ غَيْرَهُ، هَذَا غَصْبٌ لِتِلْكَ الْبُقْعَةِ، وَمَنْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ، وَأَمَّا مَنْ يَتَقَدَّمُ بِسَجَّادَةٍ فَهُوَ ظَالِمٌ، يُنْهَى عَنْهُ وَيَجِبُ رَفْعُ تِلْكَ السَّجَاجِيدِ، وَيُمَكَّنُ النَّاسَ مِنْ مَكَانِهَا'. [الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3/ 146)].

واستدل أصحاب هذا القول بأدلةٍ كثيرة، من أهمها:

1. الشريعة رتَّبت الفضائل على المبادرة والمسارعة إلى الطاعات، وجعلت السابق إلى المسجد أحقَّ بالمكان من غيره، فلا يُقدَّم الغائب على الحاضر، ولا المتأخر على المتقدِّم.

2. الشريعة أمرت بإتمام الصفوف الأول فالأول؛ فعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَتِمُّوا الصَّفَّ الْأَوَّلَ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، وَإِنْ كَانَ نَقْصٌ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ» [النسائي، صحيح: 818].

فمن حجز مكانًا ومنع غيره منه، فقد حال بين الناس وبين المبادرة إلى امتثال هذا التوجيه النبوي.

3. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن توطين الرجل المكان في المسجد، أي أن يتخذ مكانًا لازمًا له، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِى الْمَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ. [أبو داود، حسن: 862].

4. حجز الأماكن يفضي إلى مفاسد كثيرة، منها:

 * ترك التبكير إلى الصلاة والاعتماد على الحجز.

 * تخطِّي رقاب الناس للوصول إلى المكان المحجوز، ولا سيما يوم الجمعة.

 * إثارة الشحناء والخصومات بين المصلين، والتضييق عليهم وإيقاع المشقة بهم.

ويؤيد ذلك جملةٌ من القواعد الشرعية، منها:

1-    الضرر يُزال، ولا شكَّ أنَّ حجز الأماكن يوقع الضرر بالمصلين ويمنعهم من الانتفاع بالمسجد على الوجه المشروع.

2-    درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح؛ إذ إنَّ ما قد يتوهَّمه بعض الناس من المصلحة في حجز المكان تقابله مفاسد ظاهرة من النزاع والتباغض وتعطيل فضيلة التبكير.

3-    السبق سببٌ للاستحقاق؛ فالسابق إلى المباحات أحقُّ بها ممن تأخر عنها.

4-    المشقة تجلب التيسير، ولذلك رخَّص بعض الفقهاء في تخصيص مكانٍ للمفتي أو المقرئ أو الواعظ إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك.

ومع ذلك، فإنَّ من سبق إلى مكانٍ في المسجد ثم قام منه لحاجةٍ يسيرةٍ –كالوضوء، أو إحضار مصحف، أو قضاء حاجةٍ عارضة– مع نيته الرجوع، فهو أحقُّ بمكانه عند كثيرٍ من أهل العلم، ما لم يطل غيابه أو يؤدِّ ذلك إلى الإضرار بالمصلين؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» [مسلم: 2179].

وينبغي التنبيه إلى أنَّ حكم حجز الأماكن يختلف عن مسألة قيام الإنسان من مكانه اليسير لحاجةٍ عارضة؛ فهاتان مسألتان منفصلتان ينبغي التفريق بينهما.

وعلى المسلمين جميعًا أن يتعاونوا على عمارة المساجد بالألفة والمودّة، وأن يبتعدوا عن كلِّ ما يثير النزاع والخصومة؛ فإنَّ المقصود من حضور المساجد اجتماع القلوب على طاعة الله تعالى، لا التنازع والتشاحن. والله تعالى أعلى وأعلم.

                          الشيخ عبد الباري بن محمد خلة

الأكثر مشاهدة


أحاديث الإسراء والمعراج كما جاءت في صحيحي البخاري ومسلم

النفاق الاجتماعي وأثره على الفرد والمجتمع

لقمة الزقوم والقلاش ذوق الطعام من البضاعة قبل الشراء

الاشتراك في القائمة البريدية