الشيخ عبد الباري بن محمد خلة | مقالات | المولد النبوي بين المحبة والاتباع

اليوم : الثلاثاء 12 ربيع الأول 1448 هـ – 25 أغسطس 2026م
ابحث في الموقع

المولد النبوي بين المحبة والاتباع

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أمَّا بعد:

فيقول الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7].

ويقول الله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].

ويقول الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ -رضي الله عنهمْ- وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].

ويقول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة 3].

فإذا كان الدين قد كَمُل في حياة النبي ﷺ، فلا تكون عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى مما يحتاج المسلمون إلى إحداثه بعد وفاته، إذ لو كانت خيرًا وقربةً إلى الله لبادر إليها النبي ﷺ وأصحابه.

ويقول الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ {31} قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 31، 32].

ويقول الله تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3، 4].

ويقول الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].

وعن عَائِشَةَ -رضيَ اللهُ عنه-، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» وفي رواية: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [مسلم: 1718].

وعَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ -رضيَ اللهُ عنهُ- قَالَ: {وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا بَعْدَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ، يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ، فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ} [الترمذي، صحيح: 2676].

فهذه الآيات والأحاديث تدل على وجوب طاعة الله، واتباع هدي نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم- ولعل هذا من المُسلَمات، ومن أوجب الواجبات، ولا يشك عاقل ملتزم بالإسلام بذلك، ومع هذا، فاختلف العلماء في حكم إحياء المولد النبوي اختلافاً كبيراً ما بين مبيح ومانع، والأولى والأسلم في حق المسلم أن يتبع هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا يبتدع في دين الله شيئاً؛ بناء على ما مر من آيات وأحاديث في ذلك.

وذهب جماعة من العلماء إلى جواز الاجتماع لذكر سيرة النبي ﷺ ومدحه والصلاة عليه وإطعام الطعام إذا خلا ذلك من المحرمات، ولم يقصدوا بذلك اعتقاد سنة خاصة لهذا اليوم، واستدلوا بأصل مشروعية محبة النبي ﷺ وذكره وشكر الله على نعمة بعثته. بينما ذهب آخرون إلى أن تخصيص يوم المولد باجتماع أو عبادة لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وأن تخصيصه بذلك يجعله من المحدثات.»

والذي يظهر –والله أعلم– أن الاقتصار على ما ثبت عن النبي ﷺ هو الأحوط والأبرأ للذمة.

والناس يختلفون في إحياء المولد النبوي، فمنهم من يجتمع له، ويقرأ فيه قصة المولد، وكذا المدائح والخطب، ومنهم من يصنع الطعام، ويوزع الحلوى، ومنهم من يقيمه في المساجد، ومنهم من يقيمه في البيوت، ومنهم من يضمنه من البدع والضلالات ما ديننا غني عنه، ولم يُنقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه ولا عن خلفائه الراشدين أنهم أقاموا احتفالًا سنويًا بذكرى مولده.

وإحداث هذه الاحتفالات لم تشرع في ديننا، ولو كان مطلوبًا لبينه النبي -صلى الله عليه وسلم- فعَنْ عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رضيَ اللهُ عنهما- قال: قَالَ رَسُول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ» [مسلم: 1844].

وهناك في إحياء المولد محاذير كثيرة منها:

1-   الغلو في رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد حذرنا من ذلك، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضيَ اللهُ عنهما-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ: «الْقُطْ لِي حَصًى، فَلَقَطْتُ لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَجَعَلَ يَنْفُضُهُنَّ فِي كَفِّهِ وَيَقُولُ: أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّما أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» [ابن ماجه، صحيح: 3029].

وَعَنْ عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: {لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ} [البخاري: 3445].

فلا تغلوا في مدحي وتعظيمي كما غلت النصارى في عيسى عليه السلام، ولا تعبدوني كما عبدت النصارى عيسى، قال الله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا } [النساء: 171]

2-   ومن صور بعض هذه الاحتفالات ما يشتمل على اختلاط محرم بين الرجال والنساء، وهذا محرم من حيث ذاته.»

3-   استعمال الموسيقى وغيرها، وهذا حرام.

4-   ما يصاحب بعض هذه الاحتفالات من تقليد أعياد الأمم أو اتخاذ اليوم عيدًا على وجه مشابه لأعيادهم، فيدخل في النهي عن التشبه بحسب صورته وحاله فعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رضيَ اللهُ عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» [أبو داود، صحيح: 4031].

5-   من الاعتقادات الباطلة التي قد تصاحب بعض الاحتفالات اعتقاد بعضهم أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يحضر المولد، ولا بد من المجيء إليه.

فمحبة النبي ﷺ ليست كلمات تُقال، ولا مناسبةً تمر في كل عام، وإنما هي إيمانٌ واتباعٌ وطاعةٌ واقتداء. فمن أحب النبي ﷺ فليحافظ على سنته، وليكثر من الصلاة والسلام عليه، وليتعلم سيرته، وليعمل بأخلاقه وهديه، وليقدم ما قدمه ﷺ، وليترك ما تركه ﷺ.

ولهذا يظهر –والله أعلم– أن تخصيص يوم المولد النبوي باحتفال ديني لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وأن الاقتصار على ما ثبت عنه ﷺ هو الأحوط والأبرأ للذمة. وليس معنى ذلك التقليل من محبة رسول الله ﷺ، بل إن محبته الحقيقية تقتضي اتباعه؛ قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ {31} قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 31، 32].

وقال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]

وأخيرا أسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين للسير على هدي النبي صلى الله عليه وسلم والحمد لله رب العالمين

                  الشيخ عبد الباري بن محمد خلة

 

 

الأكثر مشاهدة


أحاديث الإسراء والمعراج كما جاءت في صحيحي البخاري ومسلم

النفاق الاجتماعي وأثره على الفرد والمجتمع

لقمة الزقوم والقلاش ذوق الطعام من البضاعة قبل الشراء

الاشتراك في القائمة البريدية