الشيخ عبد الباري بن محمد خلة | الفتاوى | فضل الوقف ومجالاته

اليوم : الأربعاء 27 شوَّال 1447 هـ – 15 أبريل 2026م
ابحث في الموقع

فضل الوقف ومجالاته

فتوى رقم: 1446
الجواب:

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:

فالصدقة ‌الجارية هي الوقف، ويستمر ثوابها ما انتفع الناس بها ولو مدة يسيرة.

وأجر الصدقة الجارية عظيم، وحثَّنا عليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم في أحاديثَ كثيرةٍ، منها:

1-  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: 'إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ' [رواه مسلم، رقم 1631 (3/ 1255)].

قال النووي رحمه الله: 'قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته، وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة؛ لكونه كان سببَها، فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية، وهي الوقف'. [شرح النووي على مسلم (11/ 85)].

2-  عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ) [رواه ابن ماجه بسند حسن، رقم 242 (1/ 163)].

3-  عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: 'أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا»، فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُورَثُ فِي الفُقَرَاءِ، وَالقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ، لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ'. [رواه البخاري، رقم 2772 (4/ 12)].

ومعنى النفيس: الكريم على أهله العزيز عندهم. ومعنى الحبس: الوقف، يريد أن يقف أصل الملك.

4-  عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ' أَرْبَعَةٌ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أُجُورُهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ: مُرَابِطٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا أُجْرِيَ لَهُ مِثْلُ مَا عَمِلَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَجْرُهَا لَهُ مَا جَرَتْ، وَرَجُلٌ تَرَكَ وَلَدًا صَالِحًا فَهُوَ يَدْعُو لَهُ'. [رواه أحمد بسند صحيح لغيره، رقم 22247 (36/ 585)].

5-  عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي، فَقَالَ: «مَا عِنْدِي»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ». [رواه مسلم، رقم 1893 (3/ 1506)].

6-  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ، عِنْدَ وَفَاتِكُمْ، بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ، زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ» [رواه ابن ماجه بسند حسن رقم 2709(2/ 904)].

أمثلة على تنوع الوقف:

1-  بناء المساجد: فعن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّان عَنْ عُبَيْدِ اللهِ الْخَوْلَانِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ، عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ، حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ‌مَنْ ‌بَنَى ‌مَسْجدًا ‌يَبْتَغِي ‌بِهِ وَجْهَ اللهِ بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ» أخرجه البخاري ومسلم، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان رقم 309 (1/ 107)

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «‌مَنْ ‌بَنَى ‌لِلَّهِ ‌مَسْجِدًا ‌قَدْرَ ‌مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» '. رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. ومفحص قطاة، أي العش. مجمع الزوائد للهيثمي رقم 1938(2/ 7)

2-  وقف البيوت وغرس الأشجار لانتفاع الفقراء منها: فعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أَوْ إِنْسَانٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» [رواه مسلم، رقم 1553 (3/ 1189)].

3-  حفر الآبار ومد شبكات المياه لينتفع منها الإنسان والحيوان: فعَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، أَنَّ أُمَّهُ مَاتَتْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ فَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: 'نَعَمْ'. قَالَ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: 'سَقْيُ الْمَاءِ' قَالَ: فَتِلْكَ سِقَايَةُ آلِ سَعْدٍ بِالْمَدِينَةِ. [رواه أحمد بسند صحيح لغيره، رقم 22459 (37/ 124)].

4-  وقف المصاحف وكتب العلم النافعة.

5-  وقف دور للأيتام.

6-  وقف المشافي والعيادات، والتبرع بالأجهزة الطبية وسيارات الإسعاف.

7-  وقف مقابر للموتى وسيارات لنقلهم.

8-  وقف لصالح معاهد العلم ودور القرآن الكريم.

9-  إصلاح الطرق ورصفها.

وهكذا فوجوه الخير كثيرة، والمسلم ينوع في تلك الوجوه، فمِن وقْفِ بيتٍ، إلى طبعِ مصحفٍ، إلى حفرِ بئرٍ، إلى غير ذلك من وجوه.

فالمتصدق والواقف له أجر عظيم، يستمر ثواب عمله ما دام الموقوف ينتفع به، فإن زال أو تلف- لا بفعل الواقف- بل من أثر ظاهرة ربانية، كالزلزال، أو بسبب عدوان كحال غزتنا، فالأجر باقٍ ومستمرٌ إلى يوم القيامة. والله أعلى وأعلم.

الشيخ عبد الباري بن محمد خلة

 

 

 

الأكثر مشاهدة


أحاديث الإسراء والمعراج كما جاءت في صحيحي البخاري ومسلم

النفاق الاجتماعي وأثره على الفرد والمجتمع

لقمة الزقوم والقلاش ذوق الطعام من البضاعة قبل الشراء

الاشتراك في القائمة البريدية