الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فتستحب زيارة القبور؛ لأنها تذكر الآخرة، وطالما الزيارة للتذكير، فيجوز للمسلم زيارة قَبر الكافر، ذهب إلى هذا القول كثير من الفقهاء، منهم الشَّافعية والحَنابلة، واستدلوا بأدلة كثيرة منها:
1- عَنْ بُرَيْدَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا ..» [رواه مسلم، رقم 977 (2/ 672)].
2- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: 'زُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ'. [رواه ابن ماجه بسند صحيح لغيره رقم 1570 (2/ 511)].
3- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» [رواه مسلم، رقم 976 (2/ 671)].
4- عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي كَانَ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَكَانَ وَكَانَ، فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ «فِي النَّارِ» قَالَ: فَكَأَنَّهُ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ أَبُوكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ مُشْرِكٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ» قَالَ: فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ بَعْدُ، وَقَالَ: لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَعَبًا، مَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلَّا بَشَّرْتُهُ بِالنَّارِ. [رواه ابن ماجه بسند صحيح، رقم 1573(1/ 501)].
وقال ابن تيمية: 'وَتَجُوزُ زِيَارَةُ قَبْرِ الْكَافِرِ لِأَجْلِ الِاعْتِبَارِ؛ دُونَ الِاسْتِغْفَارِ لَهُ' [مجموع الفتاوى (27/ 166)].
وقال المرداوي: 'يجوزُ للمُسْلمِ زِيارةُ قَبْرِ الكافرِ، قالَه المَجْدُ وغيرُه. وقال الشَّيخُ تَقِىُّ الدِّينِ: يجوزُ زِيارَتُه للاعْتِبارِ. وقال أيضًا: لا يُمْنَعُ الكافِرُ مِن زِيارةِ قَبْرِ أبِيه المُسْلِمِ، وأنَّ علَّةَ تذكُّرِ الآخرَةِ حاصلةٌ بزيارَةِ قَبرِ الكافِرِ أيضًا'. [المرداوي (6/ 267)].
ولا يُسلم الزائرُ المسلمُ على الكافر، ولا يدعو له بالمغفرة لحديث سَالِمٍ السابق
وهكذا يجوز زيارة قبور الكفار للعبرة والعظة، لا للشماتة، ولا يدعو لهم ولا ينتهك حرمتهم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الشيخ عبد الباري بن محمد خلة