الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فيقول الله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 20].
والنكاح سكن وراحة وديمومة، فلا ينبغي أن يقف شيء أمام سعادة الزوجين، ولهذا ذهب جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنبلية إلى أن للزوجين حقَّ فسخ عقد النكاح بالعيب.
واختلف الفقهاء في كون العيوب الموجبة لفسخ عقد النكاح محصورة في عيوب محددة، أو أنها غير محددة، والراجح أنها غير محددة، فكل عيب يضرُّ بالحياة الزوجية ضررًا كبيرًا، أو يمنعها، أو ينافي مقاصد الزواج يكون سببًا للفسخ.
وليس كل عيب في الزوجين معتبرا شرعا، وذكر الفقهاء عيوبًا تمنع من مقاصد النكاح، مثل:
1- الْعُنَّةُ، وهو مرض يمنع من القدرة على الجماع.
2- الْجَبُّ، وهو قطع الذكر كله، بحيث لم يبق منه ما يطأ به.
3- الْخِصَاءُ: وهو نزع الخصيتين.
4- الرَّتَقُ بالنسبة للمرأة: وهو انسداد الفرج باللحم.
5- الْقَرَنُ وهو انسداد الفرج بعظم.
6- الجنون والجذام والبرص لأي من الزوجين.
فأي مرض ينافي مقصود النكاح يكون موجبا لخيار فسخ العقد من الطرف الآخر، وسواء أكان هذا العيب عضويًا أم نفسيًا.
وعليه فالاضطرابات النفسية البسيطة، والتي يمكن علاجها، ولا تؤثر على سير الحياة الزوجية، لا يفسخ بها العقد.
أما الاضطرابات النفسية المزمنة التي تلازم أحد الزوجين، وتؤثر في النكاح، توجب الخيار ويفسخ بها العقد.
فإذا كان المرض النفسي بسيطًا ومتحملًا، ولا يؤثر على حياتك الزوجية، فليس لك حق الفسخ، وإن كان شديدًا وغيرَ محتمل، ويؤثر على الحياة الزوجية فمن حقك فسخ العقد واسترجاع المهر كاملًا.
والأصل في المسلم الصدق والأمانة والنصيحة، فلا ينبغي للمسلم أن يخدع غيره، ولا أن يخذله بل ينصح له، فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» [رواه البخاري، رقم 57 (1/21)].
فالنصيحة شاملة، في البيع والشراء والزواج وغيرها، فإذا كان هناك عيب معتبر شرعًا فلا بد من بيانه، وعندها يختار الزوج أو يرفض، أو الزوجة كذلك؛ لأن الزواج عقد مؤبد، فلا بد أن ينسجم الزوجان، فإن شعر أحدهما أن شريكه أخفى عنه، أو دلس عليه، أو غبنه، ربما تكون المآسي بعدها، والآثار السيئة، وعدم الاستقرار، ولربما يصل الأمر إلى الطلاق، وتشتيت العائلة، فحري بنا أن نكون محتاطين.
ولا يجوز للوالدين أن يخفوا عيبًا معتبرًا عن الزوج، ولا كذلك عن الزوجة.
وعلى الزوجين تقوى الله، وعدم الوقوف عند ظواهر الأمور كثيرًا، بل يختار الشاب شريكة حياته بناء على مواصفات النبي -صلى الله عليه وسلم-، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم، قَالَ: {تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ َلأرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ} [رواه البخاري، رقم 5090 (7/7)].
وأخيرًا أنصح الأزواج والأهلين أن يتقوا الله، وأن يعملوا بشرعه، وأن يبتعدوا عن سفاسف الأمور، ويجتهدوا في إحقاق الحق، ورد الحقوق إلى أصحابها. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الشيخ عبد الباري بن محمد خلة