الشيخ عبد البارى بن محمد خلة | مقالات | حكم ترك الأظفار وشعر الرأس وغيره في عشر ذي الحجة لمن أراد أن يضحي

اليوم : الجمعة 24 ربيع الأول 1441 هـ – 22 نوفمبر 2019م
ابحث في الموقع

حكم ترك الأظفار وشعر الرأس وغيره في عشر ذي الحجة لمن أراد أن يضحي

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى أما بعد،

فإذا أهل هلال ذي الحجة، فليس لمن أراد التضحية أن يأخذ من شعره وأظفاره، حتى يذبح أضحيته؛ فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: {إِذَا دَخَلَتْ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا}. رواه مسلم.

وفي رواية عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ تَرْفَعُهُ، قَالَ: {إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَعِنْدَهُ أُضْحِيَّةٌ يُرِيدُ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ شَعْرًا وَلَا يَقْلِمَنَّ ظُفُرًا}

وفي رواية أخرى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: {إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ}

 وفي رواية رابعة عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ قال: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: {مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ}

قال النووي -رحمه الله-: {والمراد بالنهي عن الحلق والقلم، المنع من إزالة الظفر بقلم، أو كسر، أو غيره، والمنع من إزالة الشعر بحلق، أو تقصير، أو نتف، أو إحراق، أو بنورة، وسواء شعر العانة، والإبط، والشارب، وغير ذلك} [المجموع: النووي(8/ 392)].

والحكمة من ذلك أن المضحي لما شارك الحاج في بعض الأعمال، وهو ذبح القربان، وهو ما يتقرب به إلى الله، شاركه في بعض خصائص الإحرام من الإمساك عن الشعر وتقليم الأظافر.

والحكمة من ذلك أيضاً أن تعم المغفرة جميع بدنه، قال النووي-رحمه الله- {والحكمة في النهى أن يبقى كامل الأجزاء ليعتق من النار} [شرح النووي على مسلم (13/ 139)].

أما حكم المسألة: فقد اختلف الفقهاء فيها على مذاهب ثلاثة:

 المذهب الأول: ذهب سعيد بن المسيب، وأحمد، والظاهرية، وغيرهم، إلى أنه يحرم عليه أخذ شيء من شعره، وأظفاره حتى يضحي، واستدل هؤلاء بحديث أُمِّ سَلَمَةَ -رضي الله عنها-، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: {إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا} [رواه مسلم].

قال ابن قدامة: {ظاهر هذا تحريم قص الشعر} [المغني (21/ 452)].

وقال ابن القيم: {أسعد الناس بهذا الحديث من قال بظاهره لصحته، وعدم ما يعارضه} [شرح ابن القيم على سنن أبي داود 7/348].

وقال الشوكاني -رحمه الله-: {واحتج الشافعي بحديث عائشة المتقدم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- {كَانَ يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ}، فجعل هذا الحديث مقتضيا لحمل حديث {إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا} على كراهة التنزيه، ولا يخفى أن حديث الباب أخص منه مطلقا، فيبنى العام على الخاص، ويكون الظاهر مع من قال بالتحريم، ولكن على من أراد التضحية} [نيل الأوطار (8/ 107)].

قال المرداوي: {لو خالف وفعل فليس عليه إلا التوبة ولا فدية عليه إجماعاً} [الإنصاف (4/ 80)]، ومن باب أولى إذا فعله ناسيا، ًأو جاهلاً، أو مضطراً.

المذهب الثاني: ذهب المالكية، والشافعية، وبعض الحنابلة إلى أنه مكروه، وقالوا إن النهي الوارد في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- مصروف إلى الكراهية، والذي صرفه من التحريم إلى الكراهية، حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: {لَقَدْ كُنْتُ أَفْتِلُ قَلاَئِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَبْعَثُ هَدْيَهُ إِلَى الكَعْبَةِ، فَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِمَّا حَلَّ لِلرِّجَالِ مِنْ أَهْلِهِ، حَتَّى يَرْجِعَ النَّاسُ} [رواه البخاري ومسلم].

قال الشافعي: {البعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية، فدل على أنه لا يحرم ذلك} [المجموع (8/ 286)].

قال الماوردي -رحمه الله – {وحكمها(الهدي) أغلظ لسوقها إلى الحرم، فلما لم يحرم على نفسه شيئا كان غيره أولى إذا ضحى في غير الحرم؛ فنحمل الأمر به (حديث أم سلمة) على السنة والاستحباب دون الإيجاب} [الحاوي الكبير (15/ 74)].

المذهب الثالث: ذهب الحنفية، ومالك في رواية إلى أنه يباح ذلك ولا يكره؛ لأن المضحي محل، فلم يكره له أخذ شعره وبشره كغير المضحي، ولأن من لم يحرم عليه الطيب واللباس، والجماع لم يحرم عليه حلق الشعر.

 قال القدوري الحنفي: {تحريم الجماع في الإحرام أغلظ من تحريم غيره، فإذا كان تعيين الأضحية لا يمنع الوطء، فأولى ألا يمنع الحلق} [التجريد للقدوري (12/ 6345)].

القول الراجح:

من كان قادرا أن يوفر أظافره وشعوره فالأفضل التوفير وإن أخذ منها فلا حرج لأن الأضحية في حد ذاتها سنة كذا توفير الشعر والأظافر .والله أعلى وأعلم.

                                         الشيخ عبد الباري بن محمد خلة

 


 

 

الأكثر مشاهدة


لقمة الزقوم والقلاش ذوق الطعام من البضاعة قبل الشراء

التوبة والاستغفار وكيف يعرف المذنب أن الله غفر له

حكم الأكل من ثمار الأشجار الموجودة في الطريق أو البساتين بغير إذن صاحبها.

الاشتراك في القائمة البريدية