الشيخ عبد البارى بن محمد خلة | مقالات | حكم المديح النبوي

اليوم : الجمعة 24 ربيع الأول 1441 هـ – 22 نوفمبر 2019م
ابحث في الموقع

حكم المديح النبوي

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد:

فيقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4[.
والمديح النبوي: هو الشِعرُ الذي ينصَبُّ على مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتَعداد صفاته الـخَلْقِيَّة والخُلُقِيَّة.            

والشعر أصله كلام موزون، وهو حلال ما لم يكن فيه إثم، قال الإمام النووي: 'قال العلماء كافة: هو مباح ما لم يكن فيه فحش ونحوه، قالوا: وهو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، وهذا هو الصواب؛ فقد سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشعر واستنشده وأمر به حسان في هجاء المشركين، وأنشده أصحابُه بحضرته في الأسفار وغيرها، وأنشده الخلفاء وأئمة الصحابة وفضلاء السلف، ولم ينكره أحد منهم على إطلاقه وإنما أنكروا المذموم منه وهو الفحش ونحوه'.
وأفضل الكلام بعد القرآن ذكر الله تعالى ومنه الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والثناء عليه ومدحه.

 وقد استمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الشعر.
ومَدْحُ الأُمَّةِ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم دليلٌ على مَحبَّتها له، هذه المحبَّة التي تُعَدُّ أصلًا من أصول الإيمان؛ قال صلى الله عليه وآله وسلم: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ» رواه البخاري. وقال أيضًا: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» رواه مسلم.
ومحبَّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مَظْهَرُ محبة الله سبحانه.

ومن أشهر الشعراء الذين مدحوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وكعب بن زهير، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم، والبوصيري، وأحمد شوقي، وغيرهم.

 وقد أقرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كعب بن زهير بن أبي سلمى عندما أنشد قصيدته المشهورة 'بانَت سُعادُ' في مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال في مطلعها:
بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ    مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُفدَ مَكبولُ
وفيها:

أُنبِئتُ أَنَّ رَسولَ اللهِ أَوعَدَني     وَالعَفُوُ عِندَ رَسولِ اللهِ مَأمولُ
مَهلًا هَداكَ الَّذي أَعطاكَ نافِلَةَ    الــقُرآنِ فيها مَواعيظٌ وَتَفصيلُ
لا تَأَخُذَني بِأَقوالِ الوُشاةِ وَلَم    أُذِنب وَلَو كَثُرَت عَنِّي الأَقاويلُ
إِنَّ الرَسولَ لَنورٌ يُستَضاءُ بِهِ    مُهَنَّدٌ مِن سُيوفِ اللهِ مَسلولُ
فأقرَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدح كعب بن زهير له وكساه بردة.

ويجب أن يكون المدح صادقًا معتدلًا لا غلو فيه ولا مبالغة، فقد قال النبي صلى الله وآله عليه وسلم: «لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُه» رواه البخاري.

والإطراء هو المدح بالباطل.
والإطراء الذي نهى عنه صلى الله عليه وآله وسلم هو الغُلُو في مدحه صلى الله عليه وآله وسلم؛ كأن يُرْفع إلى مقام الألوهية، أو يعطى بعض الصفات الخاصة بالله؛ كما قالت امرأة مادحة له صلى الله عليه وآله وسلم: «وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ»، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله الله وسلم: «لَا تَقُولِي هَكَذَا، وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِينَ» رواه البخاري.

والخلاصة أنه يجوز بل يستحب مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشروط:

1-  أن يكون المدح حقيقيًا لا خياليا يتناسب مع بشرية الممدوح.

2-  أن تكون الكلمات صحيحة عقديًا لا شرك فيها.

3-  أن تكون خالية عن الموسيقى.

4-  عدم اختلاط النساء بالرجال.

5-  ألا يأخذ وقتًا كبيرًا في ذلك على حساب قراءة القرآن وطلب العلم إلى غير ذلك من ضوابط.

وأفضل من ذلك كله أن يواظب المسلم على تلاوة القرآن وذكر الله تعالى، فإن ذلك أزكَى للنفس وأطهر.

والله تعالى يقول: ' الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ' الرعد: 28، 29.

وقال الله تعالى: ' اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ' الزمر: 23.

وكان الصحابة رضي الله عنهم يعتنون بالقرآن والسنة حفظًا وعملًا، ومع ذلك كانت لهم أناشيد يترنمون بها، ظهرت في مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي حفرِ الخندق وبناء المسجد وفي الجهاد وغيرها.

ووفق الله المسلمين لكل خير

الشيخ عبد الباري بن محمد خلة

 

 

 

 

الأكثر مشاهدة


لقمة الزقوم والقلاش ذوق الطعام من البضاعة قبل الشراء

التوبة والاستغفار وكيف يعرف المذنب أن الله غفر له

حكم الأكل من ثمار الأشجار الموجودة في الطريق أو البساتين بغير إذن صاحبها.

الاشتراك في القائمة البريدية